May 15, 2012

قرار مفوضية ترسيم الحدود
ونكوص الأممية عن تعهداتها

بقلم: حسن إدريس كنتيباي
الكويت – 10/5/2012م
بعد الإستقلال في يوم 24/5/1991م وتسلم الثورة لمقاليد الحكم في إرتيريا المحررة والتي كانت تعاني من تدمير كامل للمؤسسات المالية والإقتصادية والإدارية، وذلك من جراء تطبيق الأنظمة الإثيوبية لسياسات الأرض المحروقة.

وبعد خمسة سنوات من بدأ مرحلة إعادة البناء ومواجهة إزالت الإرث الثقيل الذي تركه الإستعمار الإثيوبي وبارث نضالي ووحدة وطنية وجهد وعطاء مستمرين، إستطاعت الدولة الإرترية من إقامة أعمدة البناء والإنماء، وقد أثمرت هذه المجهودات الذاتية في تحقيق الإقتصاد الوطني نموا قدر بـ 7% من الناتج القومي وهو ما أيدته التقارير السنوية للمؤسات الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي).

ان سرعة النمو الإقتصادي الإرتري وتحسن أداء الإنتاج وتطوير في المرافق الخدمية العامة وفي فترة قياسية، خلقت هذه النقلة الواعدة إرباكا وقلقا لأعداء شعبنا وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. حرب 1998 كانت في حقيقتها عملا إنتقاميا حاقدا أو فرملة لعجلة التنمية الإقتصادية في إرتريا والتي تحققت بجهد وعرق مجتمع يسعى لتحرير إقتصاده من التبعية وآفة القروض الأجنبية التي لا تحرر الإقتصاد ولا تبني الأوطان.

تلقى الجيش الإثيوبي في هذه الحرب هزيمة قاسية في مدينة (بارنتو) وتلتها أيضا الضربة القاضية في معارك عصب. وبعد المعركتين التاريخيتين أيقنت الولايات المتحدة الأمريكية المحرض الأول للنظام في أثيوبيا بأن ميزان المواجهة قد تغير لصالح قوات الدفاع الوطنية الإرترية وأن إستمرار المعارك قد تؤدي الى إنهيارات نفسية وإنشقاقات في صفوف الجيش الإثيوبي لا يحمد عقباها لإثيوبيا وللإستراتيجية الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي والمنطقة عامة. ومن هنا تحركت واشنطن وبكل ثقلها لإنقاذ حارسها الأمين في القرن الأفريقي، علما بأن البيت الأبيض هي مهندسة إتفاقية الجزائر (2000) والتي بموجبها توقفت الحرب الإنتقامية ضد إرتريا ومواقفها الوطنية.

لقد حظيت إتفاقية الجزائر بدعم وبضمانات من أطراف دولية وإقليمية (الأمم المتحدة، أمريكا، الإتحاد الأوروبي، الإتحاد الأفريقي، الجامعة العربية، والجزائر الدولة المضيفة) حددت إتفاقية الجزائر خريطة التحكيم وطرق التنفيذ، بل وحصنتها بنصوص واضحة لا تقبل التأويلات، بمعنى أن حكم وقرار المفوضية نهائي وملزم التنفيذ وغير قابلة للتحايل أو الحوار أو الطعن أو الإستئناف.
لقد أمضت مفوصية ترسيم الحدود سنتين من تلقي للوثائق والمستندات من قبل طرفي النزاع، بجانب الإستماع لمرافعات القضاة وبمقارنة الوثائق بالمعاهدات الإستعمارية بشأن الحدودالدولية بين البلدين. تتكون المفوضية من (5) قاض دوليين مشهود لهم بالخبرة الرفيعة وبالدراية التامة بشئون القوانين الحدودية الدولية ونالت موافقة وثقة الدولتين.

في 13 أبريل 2002م تعلن المفوضية نتيجة حكمها لمشكلة الحدود بين إرتريا وإثيوبيا وترفعها للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون باعتباره المسئول الدولي بتنفيذ الحكم حسب إتفاقية الجزائر.

وفور إعلان نتيجة التحكيم شاهدنا والعالم معنا لتهليلات أجهزة الإعلام الأثيوبية والتي أقامت الدنيا ولم تقعدها، بل واصفة القرار بالعادل واعتبرته مكسبا كبيرا ونجاحا قضائيا وتحقيق توسعا جغرافيا أكثر من ما كان تتوقعه وعلى حساب إرتريا.
ولم تمض (72) ساعة وبإيحاء أمريكي رأينا تتراجع أثيوبيا وتعلن رفضها للقرار وتطالب بالحوار وذلك حسب بيانها الصادر في هذا الشأن. يعتبر الرفض الأثيوبي مخالفة صريحة لنصوص إتفاقية الجزائر وكان يقتضي الموقف من مجلس الأمن أن يقوم بفرض العقوبات الواردة في الفضل السابع ضد أثيوبيا، ولم يحدث ذلك بسبب الهيمنة الأمريكية.

تخاذل أعضاء مجلس الأمن بعدم فرض العقوبات على إثيوبيا وتشديد فرضها على إرتريا وتحت ذرائع واهية وفبركة قضايا مزيفة لا تسندها الوثايق والحقائق على أرض الواقع مثل القرارات المخزية 1907/2009 و 2023/ 2011. هذه المواقف الغير منصفة تجاه شعبنا تعطي بلا شك لكل صاحب ضمير ومتابع للسلوك الأممية، بان تغليظ أو رفع درجة تشديد العقوبات للفصل السابع، لم يكن القصد منه تحقيق العدالة وانما قصد به مهندسي الإتفاقية وخاصة منجمي ومحللي (البيت الأبيض) بان أرتريا ستكون أول الرافضين للقرار وبالتالي غرض تشديد العقوبة للفصل السابع قد تحقق. ولكن موافقة إرتريا واستعدادها للتعاون مع المفوضية لإنجاح مهمتها، قد خيبت ظن المنجمين ولتنبؤاتهم الشريرة.

لقد توصلت مفوضية ترسيم الحدود من خلال عملها لسنين طويلة الى قناعة بأن الجانب الإثيوبي يرفض الإتفاقية جملة وتفصيلا مما جعلها تقرر في 7 يناير 2008م لإنهاء عملها ورفع تقريرها السادس والعشرون للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والذي يؤكد فيه رئيسها بترسيم الحدود الدولية بين البلدين وبصورة نهائية. أما مسألة تنصيب الأعمدة فهي من الأمور التي يمكن إنجازها متى ما توفرت الظروف المناسبة.

تعاملت مفوضية الترسيم مع المشكلة الحدودية بروح المسئولية وبالنزاهة والحيادية العالية، بينما إتسم تعامل المجلس بعدم المصداقية والتخاذل عن أداء المسئولية والكيل بمكيالين وبالمساواة بين الملتزم بتعهداتها (ارتريا) وبين الرافض بالوفاء للتعهدات (إثيوبيا).

لقد مضى عقد على إصدار قرار مفوضية ترسيم الحدود والمنظمة الدولية وقفت وتقف حتى الآن عاجزة عن تحمل مسئرليتها القانونية والأخلاقية، مما شجع إثيوبيا لإرتكاب عدوان جديد طالما هي محصنة من العقاب. وخير دليل على ذلك عدم تحرك مجلس الأمن لمناقشة العدوان الإثيوبي في 13 مارس 2012م على الأراضي الإرترية. ومن الغريب والمضحك يخرج بان كي مون من صمته الطويل (وينطق كفرا) حيث يطالب الطرفين (بضبط النفس)، وهي مناشدة خائبة وغير مسئولة وتصدر من رجل منزوع الصلاحية والإرادة وألعوبة في أيدي الفوضويين وأهل الهيمنة.

تمر (الأمم المتحدة ) في عهد بان كي مون بأسوأ تاريخها، بإصدارها قرارات ظالمة ومجحفة ضد الشعوب الصغيرة بدون عدل ولا ذمة. وفوق هذا وذاك أصبح عهد بان كي مون يتفوق على من سبقوه بتزكية مصالح الإستعماريين وبالتراجع والتحايل والنكوص بتعهدات المنظمة الدولية.

لقد جربوا الأعداء كافة صنوف المؤامرات واستخدموا لأرقى وسائل الإعلام للكذب والتضليل وللتشويش للعلاقات الديبلوماسية والسياسية بين إرتريا وأشقائها وأصدقائها في العالم. ولكن أدواتهم الشيطانية لم تفلح ولن تثني شعبنا من مواصلة درب التحدي والصمود ومن الإستمرار في مسيرة التنمية من أجل حاضر أفضل وغدا مشرق.

أرتريا دولة صغيرة في حجمها وبنسيجها الإجتماعي، ولكنها كبيرة بوحدتها وبإرثها النضالي وبسلوكها الحضاري وبالوفاء لعهودها ولإلنزاماتها وبالرشد في تعاملاتها مع الأحداث والتطورات الكونية. بمعنى لا تندفع بالعواطف وإنما تزن الأمور ولا تحركها دق طبول حرب المراهقين الطفليين ولا مؤامرات وتحرشات الفوضويين المهزومين في الساحات الإقليمية والعالمية.

Latest Articles

توافق في إرتريا وضغوط من واشنطن

ብርሃን .. ምርድዳእ ኣብ ኤርትራ ጸቅጢ ካብ ኣሜሪካ

كلمة الرئيس اسياس افورقي في يوم الشهداء 20 يونيو 2019