October 3, 2011

قراءة لكتاب ” حق لا يقبل المساومة ”
تأليف سكرتير الجبهة الشعبية للديموقراطية والعدالة
السيد الامين محمد سعيد

قراءة لكتاب ” حق لا يقبل المساومة ” تأليف سكرتير الجبهة الشعبية للديموقراطية والعدالة السيد الامين محمد سعيد

عرض وتقديم: د.احمد حسن دحلي
صدر هذا الكتاب القيم قبل تسع سنوات ونشرت جريدة ” ارتريا الحديثة ” هذا العرض والتقديم في 14 ديسمبر 2002، ونحن نعيد نشر قراءة د.دحلي للكتاب تعميما للفائدة.

استهل المؤلف كتابه قائلا ” هذا الكتاب مقدم اساسا لكل مواطني ارتريا وبشكل خاص الشباب منهم، ولكل المهتمين والمعنيين بشأن الارتري والأثيوبي. ان ما حدث ويحدث في ارتريا لا يرجع لكونها بلدا صغيرا محدود السكان فقط، بل لانها تتمتع بامكانيات يمكن ان تكون واعدة. بالاضافة الى تمتعها بموقع استراتيجي هام في الساحل الغربي من البحر الاحمر، قريبة لحقول وابار النفط في منطقة الخليج ومصادر المواد الاولية في افريقي، هذا مما جذب اليها اطماع العديد من القوى الدولية والاقليمية وبشكل خاص اطماع انظمة الحكم في اثيوبيا. والهدف الاساسي والذي بسببه اشعل نظام ملس زيناوي الحرب على ارتريا هو ابعاد الجانب القانوني لطبيعة المطالب الارترية المشروعة في ترسيم الحدود بين اثيوبيا وارتريا.”

قراءة لكتاب ” حق لا يقبل المساومة ” تأليف سكرتير الجبهة الشعبية للديموقراطية والعدالة السيد الامين محمد سعيديدرج هذا الكتاب في سياق نشاط وجهد الكاتب الامين محمد سعيد في توثيق الاحداث التاريخية الراهنة والتي يثري بها المكتبة الوطنية الارترية وبالكتب التاريخية، ناقلا وبأمانة علمية تطورات القضايا السياسية الارترية المصيرية الى الجيل الصاعد الذي تنقصه الكثير من مفاصلها المحورية، ويفاجيء المتابع الدقيق للحقبة التاريخية التي يغطيها ببعض المعلومات الجديدة. والكتاب قيم ويستحق حقا القراءة، ويعتبر اضافة حقيقية الى الذاكرة الجماعية للشعب الارتري، هذا علاوة على انه يضع بين ايدي الباحثين والمؤرخين والصحفيين والقراء حقائق تاريخية من مصادرها الاولية ، وينابيعها الاصلية، يمكن الاستفادة منها في فهم وتحليل فن المفاوضات واستخلاص الدروس والعبر.

وهذا الكتاب ليس الأول ولا هو بالأخير للأخ الامين محمد سعيد، بقدر ما هو الكتاب الثالث سطره بعد كتابه الثاني ” نريد أرض ارتريا وليس شعبها ” الصادر في عام 2001 عن دار نشر ” البحر الأحمر ” بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي سلط من خلاله المؤلف الأضواء على الحملات العسكرية الأثيوبية التي عبثا ما حاولت تسديد طعنة قاتلة الى قلب الشخصية الوطنية الارترية والقضاء على الثورة الارترية مرة واحدة والى الأبد. في حين الكتاب الأول والصادر في ارتريا عام 1992 تحت عنوان ” الثورة الارترية: الدفع والتردي ” عن دار نشر ” دوقلي ” عالج خلفية نضال الشعب الارتري التحرري، والتناقضات التي زخرت بها الثورة الارترية قبل تجاوزها لجميع العقبات الداخلية والعراقيل الخارجية، وتحقيق طموحات وتطلعات الشعب الارتري في الحرية والاستقلال.

يقع كتاب ” حق لا يقبل المساومة ” في 176 صفحة من الحجم المتوسط، ويتوزع على سبعة فصول، يقول المؤلف عنه ” هذا الكتاب عبارة عن سرد موجز لأهم محطات التفاوض المباشر التي كانت تجري بين ارتريا ممثلة في الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا ومع أنظمة الحكم الإثيوبية [ نظام منقستو هيلي ماريام العسكري ونظام ملس زيناوي ] وعبر طرف ثالث وسيط.” ويتابع قوله ” حاولت في هذا الكتاب ان ابذل قصارى جهدي لأكون صادقا وواقعيا في سردي لما كان يجري من لقاءات، وما كان يطرح فيها من مواقف سياسية لمختلف الفرقاء. كما سعيت قدر المستطاع الابتعاد عن الانجراف وراء عاطفتي بفعل المعاناة التي عانى منها مناضلو الثورة الارترية، وانأ واحد منهم، أو بفعل الانتهاك الصارخ لحقوق المواطنين الارتريين والذي أنا جزء منهم.”

صحيح ان الامين محمد سعيد الزم نفسه وبصورة صارمة للغاية على عدم البوح بانطباعاته الشخصية، والتزم وبدقة كبيرة بسرد الوقائع كما هى باعتبارها تتحدث بنفسها عن نفسها بصورة بليغة، ولكن وفي حالات عديدة فان الانطباعات الشخصية تكشف ما لا يكشفه الوثائق الرسمية، لا سيما في المفاوضات الماراثونية التي جرت بين الثورة الارترية ونظام الدرق الأثيوبي منذ عام 1978 ولغاية عام 1991، أي على مدى 13 سنة كاملة شارك فيها المؤلف بصورة مباشرة، خاصة المفاوضات التي جرت في كل من برلين الشرقية وعدن ونيقوسيا واتلانتا ونيروبي والخرطوم ولندن… ونأمل ان يأتي ذلك في إطار مذكراته الخاصة.

قراءة لكتاب ” حق لا يقبل المساومة ” تأليف سكرتير الجبهة الشعبية للديموقراطية والعدالة السيد الامين محمد سعيد

يكشف المؤلف بان لا احد كان يراهن وبصورة جدية على نجاح المفاوضات لاسباب موضوعية. فالعملية كانت برمتها، والى حد كبير، بمثابة لعبة القط والفأر، فالطرف الاثيوبي كان يحاول الالتفاف على حق تقرير المصير للشعب الارتري، بحصره في الحكم الذاتي، وفي افضل الاحوال على النظام الفيدرالي، وذلك بدعم مستور أو مكشوف من الوسطاء، سواء كانوا من الالمان الشرقيين أو اليمنيين الجنوبيين أو الأمريكيين. وبالمقابل فإن وفد الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا رفض رفضا قاطعا تقديم أي تنازل أو مساومة بحق الشعب الارتري في تقرير المصير الذي يتضمن حق الاستقلال التام عن أثيوبيا.

فإذا كان النظام الأثيوبي ابان عهد الكولونيل منقستو هيلي ماريام يناور أبان المفاوضات لكسب الوقت والتقاط الأنفاس، وترتيب وتنظيم حملات عسكرية جديدة بعد فشل الحملات العسكرية القديمة، فان هدف الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا كان له أبعاد سياسية تمحورت في إضفاء طابع دولي على القضية الارترية التي كانت الأنظمة الاستعمارية الأثيوبية تسعى وبشتى السبل في حصرها ومحاصرتها في النطاق الأثيوبي الداخلي، واعتبارها مسألة داخلية ليس إلا. وإذا كانت الثورة الارترية ممثلة في الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا نجحت في طرح القضية الارترية في المحافل الدولية، وكسر جدار العزلة الذي فرضته أثيوبيا عليها، فان الجانب الأثيوبي اخفق إخفاقا فادحا في تحقيق أي مكاسب عسكرية على الأرض، وفشل في فرض سياسة الأمر الواقع بالقوة على الثورة الارترية التي استطاعت احتواء الحملات العسكرية الأثيوبية المدعومة من الاتحاد السوفيتي السابق، الواحدة تلو الأخرى، قبل أن تأخذ زمام المبادرة العسكرية وتلحق الهزائم بالجيش الاستعماري الأثيوبي، وتشرع في عملية تحرير المدن بعد المدن، إلى أن حررت كل شبر من التراب الوطني الارتري في 24 مايو 1991.

اربع نقاط ارترية مقابل خمس نقاط امريكية
لقد احتوى الكتاب على بعض المسائل الجديدة الى حد ما كما تم التنويه انفا، ولم توضع تحت المجهر بما فيه الكفاية وقتذاك. ومن ضمن تلك القضايا مشروع الساعة الاخيرة الذي تقدمت به الادارة الامريكية قبل ستة اشهر من استقلال البلاد، وكان ذلك في نوفمبر 1990 بواسطة مسؤول الادارة الافريقية في مجلس الاومن القومي الامريكي حينذاك، روبرت فريزر، ومسؤول قسم شرق افريقيا في وزارة الخارجية الامريكية انذاك، دافيد سون. وتم طرح المشروع الامريكي على وفد الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا في 8 نوفمبر 1990، ابان اللقاء الذي جرى في العاصمة السودانية، الخرطوم.

وهذه هى النقاط الخمس التي تقدم بها الوفد الامريكي كأساس للنقاش بين الطفين الاثيوبي والارتري:
1 ـ المبدأ الاساسي
ان يكون لاثيوبيا دستورا فيدراليا يؤكد على ان تكون لارتريا حكومة ذاتية.
2 ـ الهيكل
يتفق الطرفان في اللقاء القادم على صلاحية المجلس الذي يكون السلطة الحكومية.
3 ـ الانتخابات
بعد مضي سنوات من انتخابات المجلس، يجري استفتاء في ارتريا تحت مراقبة دولية للمصادقة على الدستور أو رفضه.
4 ـ الضمانات
يتطلب من الطرفين مناقشة نظام حل الخلافات أو المراقبة الدولية.
5 ـ عملية خلق الثقة

بعد التوصل الى اتفاق حول النظام الحكومي، يتم في ارتريا وقف لاطلاق النار وتخفيض القوى العسكرية لكلي الطرفين تحت اشراف ومراقبة دولية. ويقوم كلا الطرفان باعطاء الاهتمام الضروري لمطالب

عمليات الاغاثة
الطارئة في ارتريا خاصة ما يتعلق بنشاطات الامم المتحدة في ميناء مصوع.
وفي مقابل ذلك طرحت الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا في 19 فبراير 1991 ” مبادرة واقعية وعملية في 19 فبراير 1991 على الادارة الامريكية حول كيفية ايجاد حل سياسي سلمي، على الرغم من تردي الاوضاع السياسية في مجمل ربوع اثيوبيا.”

المبادرة الارترية
تكونت المبادرة الارترية من اربعة بنود وهى:

1 ـ تحل القضية الارترية وفق ارادة الشعب الارتري بتقرير مصيره عبر استفتاء تتولى الامم المتحدة وبصورة مباشرة ادارة عملية الاستفتاء.
2 ـ لحين ان يتم حل القضية الارترية وفق ارادة الشعب الارتري عن طريق الاستفتاء، تنشر الامم المتحدة قوات حفظ سلام دولية في ارتريا وتقيم ادارة للمرحلة الانتقالية.
3 ـ قبل اجراء الاستفتاء يتم جلاء جيش الاحتلال الاثيوبي بكل مؤسساته القمعية، ويتزامن ذلك مع تثبيت قوات حفظ السلام الدولية اقدامها في ارتريا.
4 ـ بعد انتهاء عملية المحادثات الاستكشافية واقتناع الجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بذلك، لا بد من ضمانات لاجراء المحادثات التالية برمتها تحت المظلة القانونية للامم المتحدة.

ولكن وفي خاتمة المطاف، تلاشت كل المبادرات والمبادرات المعدة وسط دخان الحرب، ودخل نظام الدرق في مزبلة التاريخ، ونالت ارتريا حريتها في عام 1991 وذلك لاول مرة منذ برزها في الخريطة الجيو سياسية للقرن الافريقي في العقد الاخير من القرن التاسع عشر، اي بعد نضال امتد لقرن كامل، تعاقبت في غضونه في رفع شعلة النضال السياسي والعسكري ثلاثة اجيال ارترية.

الحرب الاخيرة
تناول المؤلف في الفصل السابع والاخير من كتابه بصورة مختصرة حرب السنوات الثلاث التي فجرها نظام الوياني على ارتريا { 1998 ـ 2000}، وذلك في 65 صفحة، وتوقف على ابرز محطات تلك الحرب التي وجدت في خاتمة الامر حلا قانونيا نهائيا، توج بالتأكيد على ارترية بادمي، وهذا وفي حد ذاته شكل صفعة تاريخية وسياسية وقانونية للنظام الاثيوبي الذي حاول وبالحديد والنار فرض سياسته التوسعية على انقاض السيادة الوطنية الارترية، ولكن الشعب الارتري وحكومته وقوات دفاعه الباسلة تصدوا واحبطوا مخططاته التوسعية، واجبروه على الجلوس الى طاولة المفاوضات، وعلى القبول بعملية ترسيم الحدود الدولية بين دولة ارتريا وثيوبيا على اساس معاهدة 1900 و1902 و1908، والتي بموجبها تبوأت قرية بادمي موقعها التاريخي في داخل التراب الوطني الارتري.

واخير وليس اخر، وبعد هذا العرض السريع لكتاب ” حق لا يقبل المساومة ” لم يبق سوى:
1 ـ الثناء على الجهد الكبير الذي بذله الاخ الامين محمد سعيد في التأريخ والتوثيق للذاكرة الجماعية الارترية.
2 ـ مناشدة بقية القيادات التاريخية الارترية ان تحذو حذو الاخ الامين، بكتابة مذكراتها الشخصية، بحكم ان تلك المذكرات التاريخية ـ السياسية ليس ملكا لها وحسب، بقدر ما هي ملك للشعب الارتري، لكونها تشكل جزءا لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية الجماعية للامة الارترية..

Latest Articles

ቃለ-መሕትት ምስ ክቡር ፕረዚደንት ኢሳይያስ ኣፈወርቂ

حصاد أبرز الخدمات التعليمية في عام 2019

مقابلة الرئيس إسياس أفورقي مع وسائل الاعلام المحلية الجزء الاول...