January 1, 2011

حول تاريخية اللغة العربية في ارتريا

الأستاذ محمد سعيد ناود

بقلم : الأستاذ محمد سعيد ناود
عقدت وزارة التعليم الاريترية من 9 ولغاية 10 ابريل 2010 ندوة حول أهمية ومكانة ودور اللغة العربية في اريتريا، قدمت خلالها عدد من الأوراق والأبحاث التاريخية وذلك بحضور كبار المسئولين في الدولة وفي الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، وعدد من الكتاب والمفكرين وممثلين للأقاليم الاريترية الستة. ولقد قدم الأستاذ محمد سعيد ناود ورقة بعنوان ” حول تاريخ اللغة العربية فى اريتريا “. وتعميما للفائدة نقوم بنشر نص الورقة الحلقة الأولى

إن حبنا لوطننا ولشعبنا يظل ناقصاً مالم نلم بتاريخ هذا الوطن وهذا الشعب وبتراثه وثقافاته ، فإذا توقفنا في إطار الإلمام بالقبيلة أو الإقليم أو الطائفة الدينية وبالقليل من العموميات من تاريخ الوطن فقط ، يظل فهمنا لوطننا ولشعبنا ناقصاً ومبتورا . لذا يتطلب الأمر أن نحس بالانتماء الكامل للوطن وللشعب بأكمله . وهذا يتحقق من خلال فهمنا لتاريخنا وتراثنا وثقافاتنا ولغاتنا بكل أجزاء الوطن .
فالشعب الإرتري الذي ننتمي إليه ، وإرتريا التي نحبها يجب أن يكون لها معنى واضح في أذهاننا وليس حباً هلامياً غير محدد المعنى
بعض الأوربيين الذين كتبوا عن الشعب الإرتري وصفه بعضهم بالفسيفساء ( موزاييك ) مثلما قال ( تريفاسكس ) وكأنه لا رابط بينه . وفي هذا كانوا بعيدين عن الحقيقة . فنحن نقول أن الشعب الإرتري على اختلاف أديانه وقبائله وأقاليمه ولغاته المحلية هو شعب واحد في الأصول والجذور إلى حد كبير . وأمام الشعار المرفوع اليوم في إرتريا ( بإعادة البناء والتعمير ) فإن الدراسات التي نقدمها عن أصول وثقافات هذا الشعب نهدف منها تسليط الأضواء على موروثاتنا الثقافية وأصوله وبالتالي تمتين وحدة الشعب الإرتري بعيداً عن الأوهام المسنودة بالجهل . فمعرفة أصول شعبنا ولغته وتقاليده وثقافاته وجذوره وتاريخه الموغل في القدم تعتبر من أهم الركائز لوحدة هذا الشعب . فنحن مطالبون بالغوص في أعماق مجتمعنا ومعرفة واقعنا بكل تفاصيله وهضمه ثم العمل للنهوض بمجتمعنا عن وعي ودراية وليس عبر طموحات معزولة وسياسات تجريبية ، وهذه المهمة تقع على عاتق المثقفين والباحثين والدارسين والأكاديميين الإرتريين . فلازال هناك نقص في المكتبة الإرترية وبالذات في مجال البحث والتاريخ والأدب بكل فروعه .
إن فكرة التحرير وتحقيق الاستقلال الوطني هي التي هيمنت على شعبنا على مدى خمسة عقود . وتحققت أخيراً عبر تضحيات وإخفاقات ثم إبداعات وإشراقات ومسيرة طويلة ربما تكون الأطول في القارة الإفريقية . والآن فإن الفكرة المهيمنة على أبناء إرتريا هي إقامة دولة قوية اقتصاديا واجتماعيا وسياسياً وموحدة شعبياً .. وبناء دولة نموذجية تنعم داخلياً بالسلام والاستقرار ويعمها السلام الاجتماعي ،، وتتعايش بشكل سلمي وعبر تبادل المصالح مع محيطها وجوارها والعالم ، بحيث يحصد المواطن الإرتري ثمار جهده وجهاده وعرقه وبحيث تصبح إرتريا نموذجا للآخرين بهذه المنطقة .. وفي الوقت ذاته نتفادى المزالق التي مرت بها العديد من الأقطار الإفريقية
إن جيل الثورة كان مشغولاً ومهموماً بمعركة التحرير ، وبالتالي لم تتح له فرصة التعليم والبحث ـ إلا ماندر ـ لأن كل همه وجهده ووقته كان منحصراً في القضية المركزية وهي قضية تحرير الوطن . وبعد أن تحقق هذا الهدف النبيل فإن جيل مابعد الثورة أصبح مطالباً وبإلحاح أن يشرع في البحث والتنقيب والكتابة عن كل أوجه الحياة في إرتريا تراثا وتاريخاً ولغة وثقافة . ولذا فإن ما أقدمه الهدف منه أن يكون حافزاً للآخرين . وهو إشارات ضوئية يمكن الاهتداء بها والانطلاق منها . وفي هذا الصدد فإنه لايسعني إلا الإشادة بكل الأقلام التي تسهم بالكتابة في هذه المرحلة وتتطرق لشتى الحقول . وحتى من ساهم وأخفق فأيضاً يكون قد ساهم لأن هناك من يتولى نقده وتصحيحه . وفي النهاية فإن القارئ هو الحكم والفيصل .

لقد كتب عن إرتريا باحثون من الإيطاليين والبريطانيين ، فقد كان هدف الإيطاليين من الكتاب والباحثين هو معرفة أدق التفاصيل عن مستعمرتهم إرتريا ، أيضاً سار على نفس النهج البريطانيون ، ولا أستطيع القول إنني قرأت كل ماكتبه الأوربيون عن إرتريا وشعبها من الوثائق والكتب . ولكن القليل الذي قرأته مثل :
1ـ إرتريا .. في أفريقيا الإيطالية ـ انطباعات وذكريات : بقلم فرديناندو مارتيني .
2 ـ السكان الوطنيون في إرتريا : بقلم البرتو بوليرا
3 – مبادئ قوانين العرف في إرتريا ، بقلم : كارلو كونتي روسيني
4ـ المستعمرة الإرترية ـ مفوضية مصوع الإقليمية في أول يناير 1910
بقلم : الكافاليري دانتي اوده ريتسي ـ مفوض المستعمرة .
5ـ التاريخ المختصر لإرتريا ، بقلم : لونقريغ
6ـ إرتريا مستعمرة في مرحلة الانتقال ، بقلم : سير كنيدي تريفاسكس
7ـ الإسلام في أثيوبيا ، بقلم سبنسر تريمنقهام
هؤلاء وغيرهم من الإيطاليين والبريطانيين وباقي الأوربيين كتبوا كثيرا عن إرتريا وبصرف النظر عن منطلقاتهم ودوافعهم ، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معهم ، جزئياً أو كلياً ، إلا أن الجهد الذي بذلوه وما تركوا لنا من تراث ، نجد أنفسنا مضطرين للعودة إليه اليوم كمراجع لايمكن الاستغناء عنها ، وبذا لايسعنا إلا احترامهم بصرف النظر عن انتمائهم إلى إيطاليا التي كانت تستعمرنا أو إلى بريطانيا . فتراهم يبحثون عن أدق التفاصيل عن وطننا وشعبنا . ففي كتاباتهم يحاولون ألا يتركوا شاردة أو واردة إلا وتناولوها بالتسجيل والتحليل . يكتبون عن الاقتصاد عموماً ، وعن الأرض وتضاريسها وطقسها وجبالها وطرقها وجزرها وأوديتها .
يكتبون عن الزراعة وعن الأرض الزراعية وأنواع منتجاتها .. عن الأشجار بأنواعها .. يكتبون عن الشعب وتقاليده وعاداته ولغاته وعلاقاته الاجتماعية حتى في أطار القبيلة الواحدة والمنطقة .. يكتبون عن الحياة البرية .. بل منهم من كتب عن الماشية وترك إحصائيات عن الأبقار والأغنام والضأن والإبل والحمير والبغال في كل بقعة وحتى في الجزر
وبالرغم من ذلك فإننا نقول بأن ماكتبه الأوربيون عن إرتريا كان عميقاً ولكنه جاء ناقصاً لأنهم لاينتمون لهذا الشعب ولهذا الوطن ولهذا المجتمع . وعليه فمن باب أولى أن يقوم أبناء إرتريا من الأكاديميين والمثقفين والباحثين والكتاب بجهد مماثل لمعرفة وطنهم الذي أصبح مستقلاً ، ومعرفة تأريخ وحقائق وخصائص شعبهم في إرتريا من أدناها إلى أقصاها
لقد كثر الحديث ولا يزال عن اللغة العربية في إرتريا ، وتناولها الكثيرون كل من زاوية قناعاته وتفكيره ، ألا أن هذه المسألة لم يتم تناولها بالعمق الذي تستحقه . ومن جانبي حاولت تناولها بما يخدم الأمر وطنياً ، وحسب قناعاتي بل ولتأكيد حقائق الواقع بحكم أن مسألة اللغة مسألة هامة . فاللغة ـ أي لغة ـ تعكس الكثير من الحقائق والتاريخ . فاللغة الإنجليزية جاء تأثيرها من حكم بريطانيا لقارات أمريكا ـ أفريقيا ـ وأجزاء واسعة من آسيا وكذلك أستراليا . كما أن اللغة الفرنسية اكتسبت الأرضية في المستعمرات الفرنسية السابقة وبالذات كندا ومنطقة ( الفرانكفون) في غرب أفريقيا حيث تواجد الاستعمار الفرنسي ، ولتقريب الصورة فإن اللغة الإيطالية في إرتريا لازالت آثارها موجودة بحكم الاستعمار الإيطالي قبل ستين عاماً تقريبا . ولذا نرى أن اللغة تعكس جزءاً من التاريخ الحقيقي للشعوب . ومثالاً على ذلك اللغات الفارسية ـ الآرامية ـ العبرية ـ والتركية توجد لها مفردات كثيرة باللغة العربية . وبالتالي نجد بها أيضاً مفردات في لغة التجري حيث أن الفرس والعبرانيين والأتراك وغيرهم كانوا متواجدين بالمنطقة العربية والتي كانت ترتبط بها إرتريا بشكل أو بآخر . وبالتالي انتقلت عبرهم هذه المفردات
والاستعمار أينما حل يحاول فرض لغته وثقافته بأساليب عديدة ، باعتبار السيد الذي يمتلك السلطة السياسية ويهيمن على الاقتصاد وعلى فرص العمل والتوظيف فإن من يتعلم لغته تتاح أمامه بعض الفرص في التوظيف واستلام مواقع في السلطة الهامشية
وعن طريق ذلك يحاول الكثيرون تعلم لغته للاستفادة من ذلك . ونلاحظ ذلك في فترة الاستعمار الإيطالي في إرتريا ، فقد كانت اللغة الإيطالية هي لغة العمل والتعامل وذلك بتشجيع السلطة الإيطالية لتعلمها حيث كانت لغة الموظفين والتوظيف والعمل بالمكاتب . وكان من تعلم اللغة الإيطالية وكأنه قد أنتقل إلى طبقة أعلى من مستوى المواطنين العاديين والشيء نفسه في فترة الاستعمار الأثيوبي الذي حارب اللغتين الوطنيتين في إرتريا وهما العربية والتجرينية ، وفرض مكانهما اللغة الأمهرية كلغة تعليم ومعاملات وتوظيف . ولكن ماذا تبقى من اللغتين الإيطالية والأمهرية ؟ لقد رحل الاستعمار الذي حاول فرضهما ، وحتى الجيل الإرتري الذي تعلمهما قد رحل معظمه ، وبقى شعبنا يتحدث بلغاته إلا أن ألأمر مع اللغة العربية كان مختلفاً ، فاللغة العربية لم تأت مع الاستعمار لأن العرب لم يستعمروا إرتريا ، بل إن اللغة العربية جاءت عبر الهجرات العربية الموغلة في القدم في كل من السودان ، مصر ، شمال أفريقيا ، القرن الإفريقي ، ونتج عن هذه الهجرات بالإضافة لظواهر أخرى ، انتشار اللغة العربية حتى بالنسبة للسواحلية ، الأمهرية التجرينية ، والتجري . فالتجري ـ التجرينية ـ والأمهرية ، كلها من أسرة اللغة الجئزية العربية الجذور .
وهناك كلمات كثيرة أمهرية متطابقة في النطق والمعنى مع التجري . بل هناك كلمات أمهرية كثيرة تتطابق مع اللغة العربية ، ونفس الشي ء نجده مع التجري والتجرينية وكذلك اللغة السواحلية . وعند حديثنا عن اللغة العربية في إرتريا فليس هناك أي مجال للإرهاب الفكري حيث أن من يتحدث عن اللغة العربية وكأنه يود أن يشطر المجتمع الإرتري بين المسلمين والمسيحيين ، كما أن الخطأ الفادح والمفهوم المغلوط الذي يعتبر أن اللغة العربية لغة المسلمين واعتبار التجرينية لغة المسيحيين . أن هذا المفهوم الممعن في الخطأ يجب تصحيحه ، فليس اللغة العربية لغة المسلمين فقط ، كما أن التجرينية ليست لغة المسيحيين وحدهم فكلاهما لغتان ارتريتان . كما انه عند حديثنا عن اللغة العربية ليس هناك مجال للنظرة العرقية المتعصبة الضيقة . فكل البشر من آدم وآدم من تراب مهما أختلف ألوانهم أو ألسنتهم . فلم تعد أهمية الإنسان تقاس بعرقه ولونه ، ولذا فإن هدفنا من هذا الحديث ليس الإصرار على انتمائنا العربي ، ولكن الهدف منه الاستفادة من هذا الانتماء باعتباره حقيقة في تاريخنا وفي مسيرتنا الحالية والمستقبلية ، لأنه لم يعد هناك مكان لأي شعب بمعزل عن محيطه وتاريخه .

واللغة العربية كانت موجودة قبل ظهور الإسلام .. وحقيقة أن القرآن الكريم نزل باللغة العربية ، ومن هنا كانت للغة العربية قدسيتها لدى المسلمين .إلا أن اللغة العربية ليست لغة الدين الإسلامي بدليل وجودها قبل الإسلام ، وبدليل وجود مئات الملايين من الآسيويين مثل إيران ، أفغانستان ، الباكستان ، أندونيسيا ، وجزء من الهند لهم لغاتهم الخاصة إلا أنهم يقرؤون القرآن كما نزل باللغة العربية . وبعضهم يستعمل الحرف العربي في كتابة لغته المحلية مثل الباكستان وأجزاء من الهند وإيران . أيضاً يوجد الملايين من المسلمين في غرب أفريقيا وفي أفريقيا جنوب الصحراء وأبرزهم نيجيريا من ناحية عدد السكان ولهم لغاتهم الخاصة بهم إلا أنهم يقرؤون القرآن الكريم باللغة العربية كما نزل .

ودخول اللغة العربية إلى إرتريا سبق دخول الديانتين المسيحية والإسلام . بل وسبق هجرة أصحاب الرسول ( ص ) إلى الشواطئ الإرترية وهم في طريقهم للنجاشي . فمنذ دخول المسيحية كانت الطقوس الدينية في الكنائس تؤدى باللغة الجئزية وهي السبئية الحميرية القديمة . وفي مرحلة لاحقة بدأ القساوسة المصريون يؤدونها باللغة العربية . ومنذ دخول الدين الإسلامي إلى إرتريا ـ التي دخل إليها قبل وصوله للمدينة المنورة وقبل انتصاره في مكة المكرمة ـ فهو يؤدى باللغة العربية سواء كان القرآن الكريم ـ العبادات ـ الأذكار والأدعية ـ الموالد ـ خطب الجمعة وصلاة العيدين ـ مراسم الزواج ـ الإرث ـ المعاملات الرسمية من رسائل وحسابات . وهذا وسط المسلمين الإرتريين كافة مما جعل ارتباطهم باللغة العربية مسألة روحية بالإضافة إلى الدراسة في الخلاوي القرآنية التي تتم باللغة العربية منذ دخول الإسلام في إرتريا وحتى اليوم . ويتضح من هذا وجود اللغة العربية في المعاملات الحياتية . أيضاً كلغة معاملات في الرسائل والمعاملات التجارية ، وعقد الاتفاقيات وتسجيلها وعقود الميراث والزواج وغيرها . ولهذا فإن اللغة العربية لم تكن لغة دين فقط بل كانت أيضاً لغة دنيا وحياة ، والكثير من الوثائق التي تعود إلى مئات السنين والتي كانت محفوظة في أرشيف محاكم مصوع وكرن تؤكد هذه الحقيقة حيث إنها مكتوبة باللغة العربية وبعيداً عن النظرة الدينية فإن العلاقات الإرترية العربية وعلاقة اللغة العربية بإرتريا تعود إلى تاريخ بعيد من الصعب تحديده ، وذلك عبر الهجرات والمصالح والانتقال البشري بين الشاطئين الشرقي والغربي للبحر الأحمر الذي كانت تفرضه الظروف المناخية والحروب وغيرها . وعمق وأصالة اللغة العربية في إرتريا تتضح من خلال الكلمات العربية الكثيرة التي نجدها في كل اللغات الإرترية . ونلمس ذلك أيضاً في العادات والتقاليد والثقافات الإرترية التي نجد الكثير من التطابق بينها وبين مثيلاتها لدى العرب . إذن فاللغة العربية في إرتريا لغة أصيلة وهي ليست وافدة نتيجة اللجوء لبعض الإرتريين بالأقطار العربية أثناء حرب التحرير كما يقول البعض

محمد سعيد ناود
أيضاً لم تأت اللغة العربية إلى إرتريا مع قبيلة الرشايدة . لأن هجرتها إلى إرتريا قريبة جداً وتعود إلى أقل من مائتي عام . وفي فترة الاستعمار الإيطالي كان هناك عدد من الصحف تصدر بالعربية . ونفس الشيء في فترة الاستعمار البريطاني حيث نرى الكثير من الأقلام الإرترية التي كانت تعبر عن مختلف القضايا باللغة العربية في الصحف في تلك الفترة البعيدة . وفي فترة الثورة التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً كانت اللغتان العربية والتجرينية المستعملتان في أدب الثورة ومخاطبة الجماهير الإرترية بالداخل والخارج . بل وفي تلك الحقبة ظهر أدباء في مجالات الشعر والقصة والمقالة السياسية وفنانون باللغة العربية ، طرقوا عدداً من المجالات وكان أغلبها التحريض على الثورة والتغني بالوطن والشعب والتبشير بإرتريا المستقلة .

وفي ظل إرتريا المستقلة لبس أمراً غريباً أن يتحدث رئيس الدولة الإرترية باللغة العربية بطلاقة وكذلك عدد من الوزراء الإرتريين . كما يتحدث بها الكثير من المسئولين في مفاصل الدولة ورجال القوات النظامية من جيش وشرطة وأمن مضافاً إليهم قيادات وكوادر الحزب الحاكم . بالإضافة لوجود مدارس تدرس باللغة العربية ومدارس أخرى تقوم بتدريس اللغة العربية كمادة لغة . أيضاً أن اللغة العربية هي لغة تخاطب في الكثير من المدن الإرترية . كما أن الركن العربي من إذاعة ( صوت الجماهير ) والقسم العربي في التلفزيون الإرتري ، والنسخة العربية اليومية من صحيفة ( إرتريا الحديثة ) التي تصدر خمسة مرات أسبوعياً من وزارة الأعلام الإرترية ، وصحيفة ( النبض ) العربية التي يصدرها ( الإتحاد الوطني للشبيبة والطلبة الإرتريين ) ، كما أن المحررين والكتاب والأقلام الكثيرة التي تشارك في الإذاعة والتلفزيون والصحفيتين المذكورتين كلها من الإرتريين .

كل هذا يعكس أصالة اللغة العربية في إرتريا بجانب إنها لغة المحيط الذي تقع فيه إرتريا ، لذا ، فإن اعتبار اللغة العربية لغة أصيلة وعريقة في إرتريا ليس محل جدل .
إن الذين يبحثون عن جذور اللغة والثقافة عليهم التخلص من عقدة ربط ذلك بالدين ، فالدين للديان ” ولا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ” . فقد تم تناول اللغة العربية وجذورها في إرتريا في شكل عموميات . ورحم الله أمرءوا عرف قدر نفسه . فأنني أعرف أن هذا العمل أكبر من طاقتي وأكبر من مؤهلاتي العلمية . وعزائي أن الجهود الفردية من هنا وهناك من الممكن تتجمع في النهاية لتصبح عملاً متكاملاً كبيراً . وأن تشكيل ذهنية المواطن الإرتري على أسس سليمة وصحيحة تعتبر مهمة كبيرة وشاقة وطويلة الأمد ، تلعب فيها الأقلام دوراً هاماً .

وبصرف النظر عن اختلاف اللغات والموقع الجغرافي والتنوع الأثني ـ أن وجد ـ إلا أننا في النهاية نود أن نخلق شعباً واحداً مترابط المصالح الآنية والمستقبلية ، وموحداً في طموحاته الواضحة والمشروعة ، وفي رؤيته لتاريخه وللغاته ولثقافاته . فنحن جزء من المحيط العربي ونقع في القارة الأفريقية وفي منطقة حساسة منها وهي القرن الأفريقي الذي تتقاذفه الأهواء والمخططات الأجنبية من كل جانب ، وتحاول تلك المخططات فتح ثغرات تنفذ منها لإعاقة تطورها والانحراف بمسيرتها إلى صراعات وقضايا جانبية .
وأكرر أن البحث والتنقيب عن اللغات والثقافات والتاريخ للشعب الإرتري يهدف في النهاية إلى تمتين وحدة شعبنا . كما أن دراستنا للغات الإرترية ستقودنا في النهاية للتوصل إلى التاريخ الحقيقي لشعبنا .

إن اللغة العربية في إرتريا ومنذ دخولها عبر الهجرات العربية الأولى استمرت بفضل الخلاوي القرآنية التي انتشرت في إرتريا ، وكذلك عبر مشايخ الطرق الصوفية . أيضاً هناك مراكز علم ساهمت في ارتياد الإرتريين لها مثل _ زبيد ـ في اليمن التي كانت مركزاً للعلوم الدينية واللغوية والعلوم العربية والإسلامية والتحق بها كثيرون من الإرتريين ، أيضاً لعبت سنار في السودان في عهد مملكة الفونج ( 1504ـ 1820 ) نفس الدور ، وكان كثيرون من الإرتريين قد التحقوا بها . أيضاً الخلاوي القرآنية في السودان الحديث وكذلك المعهد العلمي في أم درمان لعبت دوراً كبيراً في تأهيل الإرتريين . وكمثال على ذلك فإن مفتي ألديار الإرترية السابق الشيخ إبراهيم المختار أحمد عمر رحمه الله ومفتي إرتريا الحالي الشيخ الأمين عثمان الأمين أطال الله في عمره ، فأن هذين العالمين الجليلين مع الكثير من الإرتريين نالوا قسطاً من التعليم في المعهد العلمي بأم درمان بالسودان ثم واصلوا بعد ذلك طريقهم الأزهر الشريف بمصر . كما أن الأزهر الشريف ومنذ إنشائه قبل أكثر من ألف عام كان قبلة لطلاب العلم وكان ولا يزال ( رواق الجبرتة ) الذي أستوعب العديد من الإرتريين . كما أن مراكز العلم في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمسجد الأموي في سوريا ، كل تلك المراكز ساهمت في اجتذاب طلاب العلم من الإرتريين ، وعن طريق كل تلك المراكز حافظت اللغة العربية على وجودها وتواجدها في إرتريا ، ويتضح ذلك من بروز عدد من الشعراء الإرتريين باللغة العربية في الماضي البعيد . إلا أن شعرهم كان يأخذ الصبغة الدينية وفي السيرة النبوية .

أما في وقتنا الراهن وبحكم انتشار التعليم باللغة العربية فقد برز كثير من الإرتريين كشعراء يرتادون في شعرهم كل المجالات كما برز أدباء وكتاب ارتادوا مجال القصة ومجال التأليف.

هناك أشياء يتحاشى البعض من التطرق لها خوفاً من تهمة التعصب الطائفي وهذا في نظري خطأ . فحقائق شعبنا من الضروري التطرق لها وإشباعها بحثاً وتنقيباً .

وهذا من شأنه أن يخلق مزيداً من الترابط عبر معرفة كل الحقائق وليس الهروب أو التهرب منها .

Latest Articles

ተፈሪ መኮነን “ሃይለ ስላሰ” ክብሪ ዘይግብኦ መራሒ

تفري موكنن ” هيلي سلاسي ” لا يستحق التقدير

ኤርትራ፣ ምድሪ ባሕሪ ካልኣይ...